الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
201
تفسير روح البيان
المستفاد منها عند نسخها * قال القرطبي الجمهور على أن النسخ انما هو مختص بالأوامر والنواهي والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على اللّه تعالى أَوْ نُنْسِها إنساء الآية إذهابها من القلوب كما روى أن قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤا سورة فلم يذكروا منها الا البسملة فغدوا إلى النبي عليه السلام وأخبروه فقال صلى اللّه عليه وسلم ( تلك سورة رفعت بتلاوتها وأحكامها ) روى أن المشركين أو اليهود قالوا ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ما يقول الا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما امر في حد الزنى بايذائهما باللسان حيث قال ( فآذوهما ) ثم جعله منسوخا وامر بامساكهن في البيوت ) حتى يتوفاهن الموت ) ثم جعله منسوخا بقوله فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ يريدون بذلك الطعن في الإسلام ليضعفوا عزيمة من أراد الدخول فيه فبين اللّه الحكمة في النسخ بهذه الآية والمعنى ان كل آية تذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير بدل نَأْتِ بِخَيْرٍ اى بآية هي خير مِنْها للعباد بحسب الحال في النفع والثواب من الذاهبة وليس المقصود ان آية خير من آية لان كلام اللّه واحد وكله خير فلا يتفاضل بعض الآيات على بعض في أنفسها من حيث إنه كلام اللّه ووحيه وكتابه بل التفاضل فيها انما هو بحسب ما يحصل منها للعباد أَوْ مِثْلِها في المنفعة والثواب فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر اما الأول فكنسخ الاعتداد بحول ونقله إلى الاعتداد بأربعة أشهر وعشرا واما الثاني فكنسخ ترك القتال بايجابه وقد يكون النسخ بمثل الأول لا أخف ولا أشق كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة وهذا الحكم غير مختص بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جار فيما دونها أيضا وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب * واعلم أن الناسخ على الحقيقة هو اللّه تعالى ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا في الاسناد بناء على أن النسخ يقع به والمنسوخ هو الحكم المزال والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف والحكمة في النسخ ان الطبيب المباشر لاصلاح البدن يغير الأغذية والأدوية بحسب اختلاف الأمزجة والأزمنة كذلك الأنبياء المباشرون لاصلاح النفوس يغيرون الأعمال الشرعية والاحكام الخلقية التي هي للنفوس بمنزلة العقاقير والأغذية للأبدان فان أغذية النفوس وادويتها هي الأعمال الشرعية والأخلاق المرضية فيغيرها الشارع على حسب تغير مصالحها فكما ان الشيء يكون دواء للبدن في وقت ثم قد يكون داء في وقت آخر كذلك الأعمال قد تكون مصلحة في وقت ومفسدة في وقت وقس عليه حال المرشد والمسترشد فان التربية على القاعدة التسليكية بحسب أحوال المشارب ولا يلقاها من المرشدين الا ذو حظ عظيم : قال في المثنوى رمز ننسخ آية أو ننسها * نأت خيرا در عقب مىدان مها [ 2 ] هر شريعت را كه حق منسوخ كرد * أو كيا برد وعوض آورده ورد اندرين شهر حوادث مير اوست * در ممالك مالك تدبير اوست آنكه داند دوخت أو داند دريد * هر چه را بفروخت نيكوتر خريد